الخطيب الشربيني

542

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

يا مُوسى ( 11 ) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [ طه : 11 - 12 ] إلى قوله تعالى : لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى ( 23 ) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى [ طه : 23 - 24 ] فدل قوله تعالى : اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى أنه من جملة ما ناداه به لا كل ما ناداه به ، وأيضا فليس الغرض أنه عليه السلام كان مبعوثا إلى فرعون فقط ، بل إلى كل من كان في الطور إلا أنه خصه بالذكر لأنّ دعوته جارية مجرى كل القوم . والفاء في قوله تعالى : فَأَراهُ عاطفة على محذوف يعني : فذهب فأراه الْآيَةَ الْكُبْرى كقوله تعالى : اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ [ البقرة : 60 ] أي : فضرب فانفجرت . واختلفوا في الآية الكبرى أي : العلامة العظمى وهي المعجزة . فقال عطاء وابن عباس رضي الله عنهم : هي العصا . وقال مقاتل والكلبي رضي الله عنهما : هي اليد البيضاء تبرق كالشمس ، والأوّل أولى لأنه ليس في اليد إلا انقلاب لونها ، وهذا حاصل في العصا لأنها لما انقلبت حية لا بدّ أن يتغير اللون الأوّل ، فإذن كل ما في اليد فهو حاصل في العصا ، وأمور أخر وهي الحياة في الجرم الجمادي وتزايد أجزائه ، وحصول القدرة الكبيرة والقوّة الشديدة وابتلاعها أشياء كثيرة وزوال الحياة والقدرة عنها ، وذهاب تلك الأجزاء التي عظمت ، وزوال ذلك اللون والشكل اللذين صارت العصا بهما حية ، وكل واحد من هذه الوجوه كان معجزا مستقلا في نفسه ، فعلمنا أنّ الآية الكبرى هي العصا . وقال مجاهد رضي الله عنه : هي مجموع العصا واليد ، وقيل : فلق البحر ، وقيل : جميع آياته التسع . فَكَذَّبَ أي : فتسبب عن رؤيته ذلك أن كذب موسى عليه السلام وَعَصى الله تعالى بعد ظهور الآية وتحقيق الأمر ، وقيل : كذب بالقول وعصى بالتمرّد والتجبر . ثُمَّ أَدْبَرَ أي : تولى وأعرض عن الإيمان بعد المهل والأناة إعراضا عظيما بالتمادي على أعظم ما كان فيه من الطغيان بعد خطوب جليلة ومشاهد طويلة ، حال كونه يَسْعى أي : يعمل بالفساد في الأرض ، أو أنه لما رأى الثعبان أدبر مرعوبا يسعى أي : يسرع في مشيته . قال الحسن رضي الله عنه : كان رجلا طياشا خفيفا ، وتولى عن موسى عليه السلام يسعى ويجتهد في مكايدته ، أو أريد : ثم أقبل يسعى كما تقول : أقبل فلان يفعل كذا بمعنى أنشأ يفعل ، فوضع أدبر موضع أقبل لئلا يوصف بالإقبال . فَحَشَرَ أي : فتسبب عن إدباره أنه جمع السحرة للمعارضة وجنوده للقتال فَنادى حينئذ بأعلى صوته . قال حمزة الكرماني : قال له موسى عليه السلام : إنّ ربي أرسلني إليك لئن آمنت بربك تكون أربعمائة سنة في النعيم والسرور ، ثم تموت فتدخل الجنة فقال : حتى أستشير هامان فاستشاره ، فقال : أتصير عبدا بعدما كنت ربا ، فعند ذلك جمع بعث الشرط وجمع السحرة والجنود . فلما اجتمعوا قام عدوّ الله على سريره فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى أي : لا رب فوقي ، وقيل : أراد أنّ الأصنام أرباب وأنا ربها وربكم ، وقيل : أمر مناديا فنادى في الناس بذلك ، وقيل : قام فيهم خطيبا فقال ذلك . فَأَخَذَهُ اللَّهُ أي : أهلكه بالغرق الملك الأعظم الذي لا كفء له نَكالَ أي : عقوبة الْآخِرَةِ أي : هذه الكلمة وهي قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى . وَالْأُولى وهي قوله : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] . قال ابن عباس رضي الله عنهما : وكان بين الكلمتين